العِلم والدِّين والإيمان

    وظيفة الدِّين إرشادية لا تعليمية

    العِلم بكل مَجالاته وفروعه جاء ليؤكّد صحّة الكُتُب السماويّة:

   1 "في البدء خَلقَ الله السماوات والأرض". (سِفر التكوين ١/ ١)، "وقالَ اللهُ: نَعمَلُ الإنسانَ على صورَتِنا كَشَبَهِنا، فيَتَسَلَّطونَ على سَمَكِ البَحرِ وعلى البَهائِمِ، وعلى كُلِّ الأرضِ، وعلى جَميعِ الدَّبَّاباتِ التي تَدبُّ على الأرضِ. فخَلَقَ الله الإنسانَ على صورَتِهِ. على صورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وأُنثَى خَلَقَهُم. وبارَكَهُمُ اللهُ وقالَ لهُم: أثمِروا واكثُروا واملَأُوا الأرضَ، وأخضِعُوها، وتَسَلَّطوا...". ( تكوين١/ ٢٦ - ٢٨). "وجَبَل َالرَّب الإلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأرضِ، ونَفَخَ في أنفِهِ نَسَمَةَحياةٍ. فصارَ آدَمُ نَفسًا حَيَّةً". (تكوين ٢/ ٧). وجاء في القرآن الكريم ما يلي: (لقَد خَلَقنا الإنسانَ في أحسَنِ تقويمٍ). [سورَة التِّين ٤] .

   2 هذا ما ورد في الكُتُبِ السماويّة، أمّا العِلم فيُؤَكِد ان البُنيَة الخلويّة لجَسَدٍ مِن نوعٍ واحدٍ تختلف عن تلك التي لآخَر، وللإنسان جَسَد فريد خاص به. يتركّب جسم الإنسان مِن ٦٠ بليون خليّة. ويموت مِن جسمِه  كل ثانية ٥٠ مليون خليّة، بينما يُولَد مكانها في الثانية ٥٠ مليون غيرها.  نستطيع ان نصنع مِن المواد التي يتألّف منها الجسم البشري: ٥ كيلو مِن الشمع، ٧ مسامير، ٢٠ ملعقة صغيرة مِن الملح، ٥٠ قطعة سكر، ٤٢ ليترًا مِن الماء، ٨٠٠ ألف عود كبريت، ٦٥ دزينة مِن الأقلام الفحميّة...
   
   3 الأبحاث العِلمية تؤكّد أنّ مُعظمَ البكتيريا لا يؤذي الكائنات البشريّة، حتى أنّ الكثيرَ مِنها نافع وهذا ما يُشَكِّل جهاز المَناعة. وفي خلايا أجسامنا وأجسام الحيوانات، يُعتبَر الفوسفور ضروريًّا لنقل الطاقة. وبالإضافة الى ذلك، إنّ الوظيفةَ الفيزيولوجيَّةَ للأعضاء والأجهزة العُضويّة مُرتبطة إرتباطًا وثيقًا بحالة عَقل الإنسان. ولكنَّنا نستبدل الخلايا التي تُبَطِّن أمعاءَنا مَرّةً كل بضعة أيام، والتي تُبَطِّن المَثانة مَرّةً كل شهرين، وخلايا دمنا الحمراء مَرّةً  كل أربعة أشهر. مُعظم خلايا جسمنا تُستَبدَل دَورِيًّا بخلايا حديثة التشَكُّل. لكنّ بعضَ الخلايا، كعُصبونات الدماغ، لا يمكن أن تُستَبدَل. والشخص الراشد يتألّف مِن نحو ١٠٠ تريليون خليّة.

   4 يَعتقد العُلَماء أنّهم صاروا الآن يفهمون ماذا يُسَبِّب شيخوخة الخلايا. يموت الإنسان بسبب تَوَقُّف مُعظم الخلايا عن الإنقسام. لكن البُحوثَ والاكتشافات العِلمِيّة الأخيرة تشير الى أنّه بمُساعدة أنزيم يُدعى (تيلوميراز)، يمكن أن تستمرَّ الخلايا البشريّة في الإنقسام الى ما لا نهاية. وفي هذا المَجال قال النبي أيُّوب: "إِن كَانَت أَيَّامُ الإِنسَانِ مَحدُودَةً، وَعَدَدُ أَشهُرِهِ عِندَكَ، وَقَد عَيَّنتَ أَجَلَهُ فَلَا يَتَجَاوَزُهُ، فَأَقصِر عَنهُ لِيَستَرِح، إِلَى أَن يُسَرَّ كَالأَجِيرِ بِانتِهَاءِ يَومِهِ". (أيُّوب ١٤/ ٥-٦). وأكّدَ ذلك النبي موسى: "أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبعُونَ سَنَةً، وَإِن كَانَت مَعَ القُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لِأَنَّهَا تُقرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ". (مَزمور ٩٠/ ١٠). وكذلك قال يعقوب في رسالته: "...لِأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُم؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضمَحِلُّ". (رسالة يعقوب ٤/ ١٤). وفي هذا المَجال، قال وِليَم شكسبير: "أيّها النور المُستعار هُنيهة. ما الحياة؟ إن هي إلَّا ظِلّ عابر". ومع ذلك، إنّ اللهَ "صَنَعَ الكُلَّ حَسَنًا فِي وَقتِهِ، وَأَيضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلبِهِم...". (جامعة ٣/ ١١). وبكلمة مختصرة، لن تعطيك الحياة كل ما تحب، لكن القناعة تجعلك تحب كل ما لديك.
 
   5 يستطيع الدماغ البشري أن يُخَزِّنَ معلومات تملأ نحو ٢٠ مليون مُجَلَّد بمقدار ما يوجد في أكبر مكتبات العَالَم. إنّ عددَ الإتِّصَالات المَشبَكِيَّة في الدماغ هو أكبر مِن مَجموع عدد الجُسَيمات الذريّة التي تؤلّف الكَون المَعروف. ولا تُعرَف بُنيَة أكثر تشابُكًا مِنه وهو الشيء الوحيد الأكثر تعقيدًا في الكَون. الدماغ هو العضو الأكثر حَيَويّة في الجسم وعندما يتضرَّر يمكن أن يؤثر علينا بشكل خطير بما في ذلك أفكارنا وذاكرتنا وأحاسيسنا وما إلى ذلك. مَرَض التفكير ليس له عِلاج. إنّ مَوقفَ الشخص العقلي وعواطِفَه تؤثِّر فعلِيًّا في صحَّتِه الجسَديّة. يقترح العلماء أن بعض التغييرات في نمط حياتنا يمكن أن تحسّن معرفتنا وقوَّتنا التَخيُّليّة وقدرتنا العقليّة على التحَمُّل. فالدماغ يتغيَّر باستمرار حسب الطريقة التي يُستعمَل - أو يُساء استعماله - بها. وهنالك عامِلَين مَسؤولَين عن طريقة نُمُوّ الدماغ طوال الحياة: ما يُسمَح بدُخولِه عن طريق الحَوَاس وما يختار التفكير فيه. الدماغ قابل للتغيُّر ويتأثَّر جِدًّا بالتفكير وبالتجربة الشخصيّة، وهو مِثل العَضَلة، يتقوّى بالإستعمال ويضعف بعَدَم الإستعمال. لذلك يجب علينا أن نستعمِلَه وإلّا سنخسره. وليس المهم أن نمتلك عقلًا جيِّدًا ولكن يجب أن نستخدمه جيِّدًا. وفي هذا المَجال، قال بُولس في رسالته إلى العِبرانيين: "وَأَمَّا الطَّعَامُ القَوِيُّ فَلِلبَالِغِينَ، الَّذِي بسَبَبِ التَمَرُّنِ قَد صَارَت لَهُمُ الحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَميِيزِ بَينَ الخَيرِ وَالشَرِّ". (عِبرانِيِّين ٥/ ١٤).

   6 لقد أظهَرَت الأبحاث العِلمِيّة أنّ القِوى العَقليّة غير المُستَعمَلة تخور، وأنّ المَعلومات التي تصِل الى العقل بواسطة الذاكرة لا تثبت فيه إلّا قليلًا. والإكتشافات الجديدة عن مُرونة الدماغ تنسجم مع نصيحة الكتاب المُقَدَّس: "وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهرَ، بَل تَغَيَّرُوا عَن شَكلِكُم بِتَجدِيدِ أَذهَانِكُم، لِتَختَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ المَرضِيَّةُ الكَامِلَةُ". (رُومية ١٢/ ٢)، "لَا تَكذِبُوا بَعضُكُم عَلَى بَعضٍ، إِذ خَلَعتُمُ الإِنسَانَ العَتِيقَ مَعَ أَعمَالِهِ، وَلَبِستُمُ الجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلمَعرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ". (كُولُوسِّي ٣/ ٩-١٠).

   7 ومع ذلك، إنّ المَعرفةَ تُقَلِّل الخوف مِن المَجهول، ولكنّ عقلَ الإنسان كلّه مُكتسَب بالتربية والتعليم. هل الأسلوب الأكاديمي التقليدي في التّعليم والمناهج يقف عائقًا أمام الإبداع، حيث أن كثيرًا مِمّن تُدَرَّس عُلومُهم وإبداعاتهم اليوم لم يخوضوا مضمار الدراسة الأكاديمية أو فشلوا فيها مثل (أينشتاين، أرثور كلارك وغيرهم...) فهل كان هذا سَبَبًا في إبداعهم؟ لا يعني ذلك أنه دافع لترك التعلّم والدِّراسة. ولكن أين يكمن الخَلل؟ هل هو في المناهج أو في أسلوب التعليم؟ أسلوب المُبرمِجين "ربّما" على تدجين العقول وتخريج ما يُسَمَّى بعقول متشابهة تقليدية غير مُبدِعة وغير مُجدِّدة.

   8 والتعليم يَتضمَّن الكثير مِن التمارين العقليّة والتغذية الفِكريّة المُنوَّعَة. وفي هذا المَجال، قال بُولس في رسالته إلى أهل كورِنثوس: "...أُرِيدُ أَن أَتَكَلَّمَ خَمسَ كَلِمَاتٍ بِذِهنِي لِكَي أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيضًا، أَكَثرَ مِن عَشرَةِ آلٓافِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ". (كُورِنثوس الأُولى ١٤/ ١٩). لذلك لا ينبغي أن يُعَلِّمَ المُعَلِّمُ وفقًا لقدرته على العَطاء، بل وفقًا لقدرة التلميذ على الإستيعاب. ففي المدرسة، تتَوَحَّد المُيول وتتَجَوهَر المنازع. لذلك يجب خَلق الرغبة عند الطالب كما يقول المَثَل: "كثير الرغبات طويل الحياة". ويجب أيضًا بَثّ روح المُلاحَظة عنده وتنمية الشخصيّة وقوّة الحُكم ودِقَّة التصَوُّر وصَقل العقل والأخلاق. في هذا المَجال، قال جبران خليل جبران: "ما مِن أحد يستطيع أن يُعلِنَ لكم شيئًا غير ما هو مُستَقِرّ في فجر مَعرفتكم". فالتعليم الصحيح يكون باظهار الفَرق بين الأشياء حسب إختلاف أهدافها، أشكالها، لا يكون كلمات.
 
   9 ورغم أنّ الكتابَ المُقَدَّس ليس كِتابًا عِلمِيًّا، فهو يُلقي الضوء على دَور الخالق، مُصَمِّم شيفرة الحياة. فمُنذ نحو ٣ آلٓاف سنة خَلَت، قال النبي داود، الذي لم يكن يعرف شيئًا عن التقدُّم الذي يحصل اليوم في الأبحاث الوِراثية وفي مَشروع المجين البشري genome، وأيضًا لم يكن يعرف ما هو code الوراثي لإنتاج بروتينات تُدعَى: عوامل الإستنساخ transcription factors، مُوَجِّهًا كلامه الى الخالِق بأُسلوب شِعرِي: "لِأَنَّكَ أَنتَ اقتَنَيتَ كُليَتَيَّ. نَسَجتَنِي فِي بَطنِ أُمِّي. أحمَدُكَ مِن أَجلِ أَنِّي قَدِ امتَزتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعمَالُكَ، وَنَفسِي تَعرِفُ ذَلكَ يَقِينًا. لَم تَختَفِ عَنكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعتُ فِي الخَفَاءِ، وَرُقِمتُ فِي أَعمَاقِ الأرضِ. رَأَت عَينَاكَ أَعضَائِي، وَفِي سِفرِكَ كُلُّهَا كُتِبَت يَومَ تَصَوَّرَت، إِذ لَم يَكُن وَاحِدٌ مِنهَا". (مَزمور ١٣٩/ ١٣-١٦).
      
   10 والآن ما هي علاقة الدِّين بالعِلم؟ الدِّين منهاج حياة وليس عبادات فقط كما علّمنا أجدادنا. لم ينظر الدِّين على الدوام الى العِلم كصديق له. في السابق قاوَمَ بعض اللّاهوتيُّون الإكتشافات العِلميّة عندما اعتَقَدوا أنّها تُشَكِّل خطَرًا على تفسيرِهم للكتاب المُقَدَّس. في القرن السادس قبل الميلاد قال الفيلسوف اليوناني فيثاغوراس إنّ الأرضَ كُرويّة الشكل. ولاحِقًا وافَقَ أرسطو على ذلك مُوضِحًا أنّ خُسوفَ القمَر يبرهن كرويّة الأرض. ولكنّ النبي إشَعياء قال في القرن الثامن قبل الميلاد: "الجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرضِ وَسُكَّانُهَا كَالجُندُبِ. الذي يٙنشُرُ السٙماوات كٙسٙرادِقٙ، ويٙبسُطُهٙا كٙخٙيمٙةٍ للسّٙكٙنِ". (إشَعياء ٤٠/ ٢٢).

   11 وفي سنة ١٦٨٧ بعد الميلاد، نشَرَ العَالِم إسحق نيوتن قانون الجاذبيّة العامّ الذي أوضح أنّ الأجسامَ السماويّة هي في الواقع مُعَلَّقَة على لا شيء في فضاء فارغ، وتبقى في مداراتها بقوّة الجاذبيّة. وقبل الميلاد بحوالي ١٦٠٠ سنة تقريبًا قال النبي أيُّوب: "يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الخَلَاءِ، وَيُعَلِّقُ الأَرضَ عَلَى لَا شَيءٍ". (أيُّوب ٢٦/ ٧). وتَستعمل الترجمة الانكليزية المُعاصِرة التعبير: "وَيُعَلِّقُ الأَرضَ فِي فَضَاءٍ فَارِغٍ". في هذا المَجال، يعترف بعض العُلَماء أنّ قوّةً مَجهولةً أوجَدَت الكَون المادّي. والعَالِمُ الياباني كينيتشي فوكوي الحائز على جائزة نوبل قال إنّه يؤمن بوجود هيكليّة عظيمة في الكَون - تُسَمَّى في الإصطلاح الديني "الله" - ولكِنّه دعاها "خاصِّيَّة الطبيعة". والعَالِمُ الشهير آينشتاين كان مُقتنِعًا بأنّ الكَونَ له بداية، وعَبَّرَ عن رغبتِه في "أن يعرفَ كيف خَلَقَ اللهُ العَالَم". لكنّه لم يقرّ بأنّه يؤمن بإله ذي شخصيّة، بل تحَدَّثَ عن "شعور ديني كَوني لا يعرف عقيدة". وقال آينشتاين بكل قناعة إنّه "حاول بتواضع فَهم حتى ولو شيء زهيد مِن الذكاء الظاهر في الطبيعة".
  
   12 وعلى مَرِّ القرون، إلتَفَتَ كثيرون الى الدِّين لإيجاد الأجوبة على الأسئلة التي يطرحوها حول تفسير سِرّ الحياة العظيم. فالدِّين يجب أن يَطردَ اليأسَ ويحاربَ المَفاسِدَ والرَذائِلَ وينشرَ الفضائِلَ، ويُحَفِّزَ على العَطاءِ والعِلمِ والعَمَلِ، ويمنَعَ مِن هَدرِ الثَرَوات وتبديدِ القدرات، ويَسمو بالإنسانِ ويرقى بِه، ويمُدَّ العِلمَ والعُلَماء بالمَناهِجِ والمَعارف ليزدادوا إيمانًا وخشيةً مِنَ اللهِ كما يقول القرآن الكريم: (...إِنَّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ...). [فاطِر ٢٨].

   13 مِن ناحية أخرى، إعتزل الغزالي الدنيا وما كان له فيها مِن الرّخاء والمَقام الرَّفيع وانفَرَدَ وَحده مُتَصَوِّفًا، مُتَوَغِّلًا في البَحث عن ما يربط أواخر العِلم بأوائل الدِّين، مُتَعَمِّقًا في التفتيش عن جَوهر الدِّين واللاهوت. وهكذا فعل القديس أوغستينوس قبله بخمسةأجيال. فمَن يقرأ له كتاب "الإعترافات" يرى أنه قد اتَّخَذَ الأرضَ سُلُّمًا يصعد عليه نحو السماء، حيث يقول: "تعلّم الرقص فحين تصل الى السماء ستعلم الملائكة ما ستقوم به معك". “الكبرياء هو مَن غَيَّرَ الملائكة إلى شياطين، وبالمقابل التواضع يجعل مِن الأشخاص ملائكة". “للرجاء إبنتان هما الغضب والشجاعة، الغضب يكمن في رؤية الأشياء كما هي، وأمّا الشجاعة هي الثقة بأن الأشياء لن تبق كما هي". "المسيحي هو عقل يفكّر به المسيح، وقلب يحبّ مِنه المسيح، وصوت يتحدّث مِن خلاله المسيح، ويد يساعد مِنها المسيح”. “صلّي وكأن كل شيء يعتمد على الله واعمل وكأن كل شيء يعتمد عليك". “الإيمان هو أن نؤمن بما لا نراه، والمكافأة لهذا الإيمان هي أن نرى ما آمنّا به". “إن الوقوع في الحب مع الله هو قمّة الرومنسية، والبحث عنه هو أعظم مغامرة، وأمّا إيجاده فهو أعظم إنجاز إنساني". "إسع ألّا تفهم ما قد تؤمن به، ولكن آمن أنك قد تفهم". “بما أن الحب ينمو في داخلك فالجمال ينمو أيضًا، لأن الحب هو جمال الروح". “لا يحتاج الله الى مالَك ولكن الفقير يحتاجه. أنت أعطه للفقير والله سيتلقاه". “الصبر رفيق الحكمة". “لا يوجد حب مِن دون رجاء ولا رجاء مِن دون حب ولكن لا يوجد لا حب ولا رجاء مِن دون إيمان".

   14 غير ان الغزالي أقرب الى جواهر الأمور وأسرارها، وقد يكون سبب ذلك في الفرق الكائن بين ما ورثه الغزالي مِن النظريات العِلميّة العَربيّة واليونانيّة التي تقدَّمَت زمانه، وما ورثه القديس أوغستينوس مِن عِلم اللاهوت الذي كان يشغل آباء الكنيسة في القرنَين الثاني والثالث بعد الميلاد. والوراثة الفِكريّة هي مِن فِكر الى فِكر ومِن عَصر الى عَصر... والغزالي كان حلقة مُهمّة بين الذين تقدَّموه مِن مُتَصَوِّفي الهند وما بلَغَت إليه أفكار البوذيّين قديمًا وفيما كتبه سبينوزا ووليم بلايك حديثًا...

   15 مِن ناحية أخرى، عندما وَقعَ نَظَرُ بُوذا على إنسان مَريض وآخَر مُسِنّ وآخَر مَيِّت، أخَذَ يبحث عن التَنَوُّر، ولكن دون الإيمان بإله شخصي. واليوم يُرَكِّز أكثر الناس على العِلم فيُخرِجون الله والدِّين مِن الموضوع. وكلّما تقدَّمَ العِلم بدا أكثر أنّه لم يبقَ مَكان لِلّه والكُتُب المُقَدَّسة في حياة الناس. لقد أصبحت الكُتُب المُقَدَّسة مَهجورة مثلما ورد في القرآن الكريم: (وقالَ الرَُسولُ يا رَبِّ إنَّ قَومِي اتَّخَذُوا هذا القُرآنَ مَهجُورًا). [الفُرقان ٣٠]. فقد عَلّلَ داروين وُجود العَالَم الحَيّ بالتَطَوُّر والإنتِقاء الطبيعي. وعَلَّم فرويد أنّ اللهَ وَهمٌ، وشرَح نشأةَ الدِّين قائلًا: إنّ الدِّينَ نتَجَ مَرَضًا نفسيًّا يتعلّق دائمًا بشخصيّة الأب المُهَيمن على الأبناء والعَشيرة. وبدَافِع النَّدَم، إخترع الإنسان طقوسًا وشعائر للتكفير عن أخطائه وأعماله. وفي نظريّة فرويد، إنّ شخصيّةَ الأب صارت الله، والطقوس والشعائر والعادات صارت أبكَر دِين. وقال ڤولتير: "إذا لم يكن الله مَوجودًا يكون مِن الضروري أن نخترعَه". وهكذا يجادل الناس أنّ الإنسانَ اخترع الله.

   16 وقدَّمَ عُلَماء آخَرون مِثل لودڤيغ فويرباخ، ماركس، ونيتشه حُجَجَهم بعبارات الفلسفة وعِلم الإجتماع. ونظريّات مِثل "ليس الله أكثر مِن تَصَوُّر خيال الإنسان"، "الدِّين أفيُون الشعوب" و"الله مَيِّت"... ظهَرَت كلّها جديدة ومُثيرة جدًّا بالمُقارنة مع العقائد والتقاليد للأديان والفلسفات الشرقيّة. فالبُوذيّون يؤمنون بأنه لا حاجة الى المعرفة عن الله، والشَنتَوِيّون يؤمنون أنّ الآلهةَ ليست سِوَى بَشَر مُتَفَوِّقة وهي أرواح الموتى التي تندمج في الطبيعة. وعَرَضَت نظريّة داروين طريقة تطوُّر أشكال الحياة، لكنّها لم تُوضِح كيف بدَأت الحياة أو ما هو معناها بالنسبة إلينا. بسبب ذلك صار عُلَماء كثيرون يشعرون بأنّ شيئًا ما ناقص. فالنظريّات العِلمِيّة تحاول أن تشرحَ "كيف"، لكن الأسئلة المُهِمّة تبدأ بـ"لماذا؟" وعندما سُئِل العَالِم كارل بارت عن التطوُّر العِلمِي والتكنولوجي، قال: "إنّه لا يحِلّ أيًّا مِن مَشاكل الإنسان وندعو جميع مُنفَتِحِي العَقل الى التأمُّل، ومَن يَمتَلك نَزَاهَة فِكرِيّة يَتَمَيَّز باستعداد لتَفَحُّص ما يؤمن به أنّه صحيح".

   17 فالإيمان هو الثقة بما يُرجَى والإيقان بأمور لا تُرَى. والإيمان يجب أن يكونَ عِلميًّا كما قال العالِم الكبير آينشتاين: "إنّ الإيمانَ هو أقوى وأنبل نتائج البُحوث العِلمِيّة، إنَّ الإيمانَ بلا عِلم ليمشي مشية الأعرَج، وإنَّ العِلمَ بلا إيمان ليتلمَّس تلَمُّس الأعمى". ومع ذلك، فإنّ القولَ الذي لا يُمكن إثباته ليس بالضرورة غير صحيح. في هذا المَجال، قال بُولس في رسالته إلى أهل تَسَالُونِيكِي: "وَلِكَي نُنقَذَ مِنَ النَّاسِ الأَردِيَاءِ الأَشرَارِ. لِأَنَّ الإيمَانَ لَيسَ لِلجَمِيعِ". (تَسَالُونِيكِي الثانية ٣/ ٢). إذن الإيمان لا يعني سُرعة التصديق. ويُعَلِّم الكتاب المُقَدَس: "إِقتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقتَرِبَ إِلَيكُم. نَقُّوا أَيدِيَكُم أَيُّهَا الخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُم يَا ذَوِي الرَّأيَينِ". (رسالة يعقوب ٤/ ٨)، "...الرَّبُّ مَعَكُم مَا كُنتُم مَعَهُ، وَإِن طَلَبتُمُوهُ يُوجَد لَكُم، وَإِن تَرَكتُمُوهُ يَترُكُكُم". (أخبار الأيّام الثاني ١٥/ ٢)، "إِتَّكِل عَلَى الرَّبِّ وَافعَلِ الخَيرَ. أُسكُنِ الأَرضَ وَارعَ الأَمَانَةَ. وَتَلَذَّذ بِالرَّبِّ فَيُعطِيَكَ سُؤلَ قَلبِكَ. سَلِّم لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ واتَّكِل عَلَيهِ وَهُوَ يُجرِي". (مَزمور ٣٧/ ٣-٥)، "لِكَي يَطلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُم يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَن كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيسَ بَعِيدًا". (أعمال ١٧/ ٢٧). وفي القرآن الكريم نقرأ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). [البقرة ١٨٦].

   18 بالإضافة الى ذلك، يختلف الدِّين والعِلم في تفسير طريقة إبتداء الحياة على الأرض. يقول الدِّين: "فِي البَدءِ خَلَقَ اللهُ السَّماَوَاتِ والأَرضَ". (تكوين ١/ ١). لكنّ العِلمَ يحاول أن يُفَسِّرَ مَصدرَ الحياة بعِبارات عامَّة مثل: "خِلال مَلايين السنين نَشَأَت الحياة تلقائيًّا مِن مادّة غير حَيَّة..."، "عُمرُ الكَون يبلغ ٨ بلايين سنة"، "عُمرُ بعضِ النجوم يبلغ ١٤ بليون سنة"، و"نَظَريّة الإنفجار العظيم big bang لنشأة الكَون". وهذه النظريّة صارت بمَثابَة دِين عِلماني في زَمَنِنا الحاضر حيث أصبحَ العُلَماء يكشفون أسرار الكَون في شكل مُعادلات formulas غامضة لا يفهمها أحد سواهم. وأكثرهم يُؤَيِّدون نَظَرِيَّة التطوّر والإنتِقاء الطبيعي التي ألَّفَها تشارلز داروين ويرفضون التفكير في وُجُود الله.

   19 وفي سنة ١٨٠٢ أخرج تريفريانوس كتابَه في عِلم البيولوجيا وبثّ فيه فِكرة أنّه مِن صُوَر الحياة التي كانت في البداية بسيطة، قد نشأت كل النظامات العضويّة الراقية متطوّرة تدريجيًٍّا. وأن كل المخلوقات الحيّة فيها قدرة على قَبول التهذيبات الوصفيّة التي تقع على تراكيبها بفعل المؤثرات الخارجية، وأن أي نوع مِن الأنواع المنقرضة لم يصبح منقرضًا بالفعل، بل لا بُدّ مِن أن يكون كلّ مِنها قد تَطَوّر فصار نوعًا آخَر. كذلك أخرج «لامارك» كتابه «الأبحاث» Researches وبعد قليل كتابه الكبير «فلسفة الحيوان»
       Zoological Philosophy
الذي أدخل على نظرية النشوء عامِلًا  جديدًا، هو عامل فعل الحيوان ذاته؛ إذ يجاهد في سبيل أن «يتطوّر» ليرضي بذلك حاجات جديدة تظهر في أفقه وبيئته، وأثبت في النهاية هذه النتائج:
ً أوّلًا: أن الحياة تعمد إلى زيادة الحجم في كل جسم حيّ وفي كل أعضائه حتى يبلغ مِن النماء الحدّ الذي تتطلّبه حاجاتها.
ثانيًا: أن الحاجات المستحدثة في الحيوانات تنشئ أعضاء جديدة.
ثالثًا: أن نماء هذه الأعضاء يكون دائمًا بنسبة إستعمالها.
ًرابعًا: أن صُوَر النشوء المستجدّة في الحيوانات تنتقل إلى الأعقاب.
    ولقد كانت أمثاله التي ضربها للتدليل على صحة مذهبه، كاستطالة عنق الزرافة باحتياجها جيلًا بعد جيل إلى ارتعاء أوراق الأشجار العالية، واستطالة أرجل الكنغر الخلفية وقوّتها راجعة إلى احتياجه إلى الوثب.

   20 وفي مَجال آخَر، يتكلّم النبي داود باستخفاف عن الشخص المُتَشامِخ الأَنِف الذي لا يَسأل عن الله، وكل أفكاره أنه لا إله. فمَعبوده المُبدِع هو الصدفة: "لِأَنَّ الشِّرِّيرَ يَفتَخِرُ بِشَهَوَاتِ نَفسِهِ... الشِّرِّيرُ حَسَبَ تَشَامُخِ أَنفِهِ... كُلُّ أَفكَارِهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ". (مَزمور ١٠/ ٣-٤). وبالتباين، يُمَجِّدُ النبي داود الخالق بقوله: "السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجدِ اللهِ، والفَلَكُ يُخبِرُ بِعَمَلِ يَدَيهِ". (مَزمور ١٩/ ١). ولكن مع ازدياد العِلم والمَعرفة، كما يقول القرآن الكريم والكتاب المُقَدَّس: (...وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلمًا). [طه ١١٤]، "يَسمَعُهَا الحَكِيمُ فَيَزدَادُ عِلمًا، وَالفَهِيمُ يَكتَسِبُ تَدبِيرًا". (أمثال ١/ ٥)، "...كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالمَعرِفَةُ تَزدَادُ". (دانيال ١٢/ ٤)، وانهيار الصدفة تحت وطأة البراهين العِلمِيَّة المُتزايدَة، أخَذَ العُلَماء يُوَجّهون انتباههم أكثر فأكثر الى الأُمور المَحظورة كالذكاء والتصميم: إنّ أصلَ الكون، مِثل حَلّ مكَعَّب روبيك، يتطلّب ذكاءً، كما كتَبَ الفيزيائي الفَلَكي فرِد هويل في كتابه "الكون الذكي" صفحة ١٨٩.

   21 ليس الهدف مِن هذا كلِّه الإستخفاف بالعَمَلِ الشاقّ الذي يقوم به العُلَمَاء المُخلِصون، بمَن فيهم عُلَمَاء الكَون. ونحن المُؤمِنون حَقًّا، نُقَدِّر اكتشافاتهم الكثيرة المُتَعَلِّقَة بنَشأةِ الكَون والتي تُعرِب عن قُدرَةِ الله وحِكمَتِه ومَحَبَّتِه. وفي هذا المَجال، يقول بُولس في رسالته إلى أهل رُومية: "لِأَنَّ أُمُورَهُ غَيرَ المَنظُورَةِ تُرَى مُنذُ خَلقِ العَالَمِ مُدرَكَةًبِالمَصنُوعَاتِ...". (رُومية ١/ ٢٠). والعَالِمُ الذي يعترف باللهِ خالِقًا، أمامه فيض مِن التفاصيل المُدهِشة الأُخرى وَوِفرَة مِن الأسرار المُثيرَة ليكتشفها. لذلك فليَستَجِب لدَعوَة النبي إشَعياء: "إِرفَعُوا إِلَى العَلَاءِ عُيُونَكُم وَانظُرُوا، مَن خَلَقَ هَذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخرِجُ بِعَدَدٍ جُندَهَا، يَدعُو كُلَّهَا بِأَسمَاءٍ؟ لِكَثرَةِ القُوَّةِ وَكَونِهِ شَدِيدَ القُدرَةِ لَا يُفقَدُ أَحَدٌ". (إشَعياء ٤٠/ ٢٦).

   22 في هذا المَجال، كَتَبَ البروفسور في عِلمِ الفَلَك والجيولوجيا روبرت چاسترو مُتَأثِّرًا بقول النبي إشَعياء عن "كَثرَةِ القُوَّةِ" أي "الطاقة الديناميكية E=mc2"، وعن "لَا يُفقَدُ أَحَدٌ" أي "لَا يُفقَدُ أَحَدٌ مِنَ الأَجسَامِ السَّمَاوِيَّةِ"، ما يلي: "كل شيء نراه حولنا مُرتبط بالمَقاييس الدقيقة لأربع قِوَى أساسيّة مَسؤولة عن كل الخصائص والتغيُّرات التي تؤثِّر في المادّة، وهذه القِوى تلعب دَورًا في رَحَابة الكَون الذي يتَمَدَّد ويتَوَسّع الى ما لا نهاية، مثلما يقول القرآن الكريم: (وَالسَّمَآءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). [الذَّاريَات ٤٧]، وفي الصِّغَرِ اللامُتناهي للبُنَى الذرِّيَّة على السواء". ولو كانت هذه القِوى الأربع البارزة في الكَون غير مَضبوطة بشكل دقيق، لَما وُجِدَت العناصر الضروريّة لحياتنا مثل الكربون، الأوكسجين، والحديد. وإحدى هذه القِوى هي الجاذبيّة وهي ضعيفة جِدًّا عند مُستَوَى الذرّات. وأثَرُها يظهر في الكواكب، النجوم، والمَجَرّات. والقوّة الثانية هي القوّة الكهرمغنطيسيّة وهي قوّة الجَذب الرئيسيّة بين الپروتونات والإلكترونات مِمّا يسمَح بتَشَكُّل الجُزَيئات molecules. والبَرق هو أحَد الأدِلّة على قدرَتها. وهذه القوّة هي أكبر مِن قوّة الجاذبيّة ببلايين بلايين المرّات. والقوّة الثالثة هي القوّة النَوَويّة القويّة التي تربط البروتونات والنيوترونات بعضها ببعض في نواة الذرّة. والقوّة الرابعة هي القوّة النوويّة الضعيفة وهي أضعف بمَلايين المَرّات مِن القوّة النوويّة القويّة. وضعفها يكفي ليحترق الهيدروجين في الشمس ببُطء وبمُعَدّل ثابت.

   23 إذًا هنالك دَرَجَة مُدهشة مِن الدِقَّة في ضَبط هذه القِوَى الأساسيّة الأربع. فالشمس، الأرض، الماء، الغِلاف الجوّي، والعَدَد الكبير مِن العناصر الكيميائيّة القَيِّمَة على الأرض تُدِينُ بوُجودِها وعَمَلِها لهذه الدِقّة في ضبط القِوَى الأساسيّة. لذلك لا يُمكن لمُجَرَّد إنفجار أن يخلقَ كونَنا المهيب بترتيبِه وتصميمِه ونظامِه العجيب. والكَون في مُعظمِه يتألّف مِن الهيدروجين، والهيدروجين يتحوّل بشكل متواصل الى هليوم وعناصر أُخرى.

   24 وفي الواقع، نحن نُكرّر بآخِر إختراعاتنا إحدى عجائب الكَون: تحويل الطاقة الى مادّة وتحويل المادّة الى طاقة. فالقنبلة الهيدروجينيّة هي تفجير جهاز حراري نووي. ففي هذا الإنفجار تتّحِد ذرّات الهيدروجين وتشكّل الهليوم ويتحوّل جزء مِن كتلة الهيدروجين الى طاقة إنفجاريّة، إنفجار مُدَمِّر أكثر بكثير مِن كل القنابل الذرّيّة. وكم مِن الأشياء تُترَك بعد أن يكتشفَها أو يخترعَها العُلَماء لأنّ حاجات الإنسان قليلة، أمّا رَغَباته فلا نهاية لها...

   25 وفي مَجالات أُخرى، فلنتأمّل في مقاييس الأرض ومواقِعها. لقد حثّ النبي أيُّوب الإنسان على التواضع بطَرحه هذين السؤالين: "أَينَ كُنتَ حِينَ أَسَّستُ الأَرضَ؟ أَخبِر إِن كَانَ عِندَكَ فَهمٌ. مَن وَضَعَ قِياسَهَا؟... عَلَى أَيِّ شَيءٍ قَرَّت قَوَاعِدُهَا؟ أَو مَن وَضَعَ حَجَرَ زَاوِيَتِهَا...؟". (أيُّوب ٣٨/ ٤-٦). وفي القرآن الكريم نقرأ: (والأرضِ ذاتِ الصَّدعِ). [الطّارِق ١٢]. في الواقع، تَحصَلُ الأرض على جزء صغير فقط مِن طاقة الشمس، المِقدار المناسب لدَعم الحياة. وتدور حول الشمس بسرعة ١٠٠ ألف كلم في الساعة، ومِحوَرها مائل ٢٣,٥ درجة بالنسبة الى الشمس وهذا يُغَيِّر الفُصول والمناخ. مساحتها ٥١٠ ملايين كيلومتر مربَّع، ومدة دورتها حول محورها ٢٣ ساعة و ٥٦ دقيقة و ٤ ثوان. والغِلاف الجوّي العجيب يحمي الأرض مِن القَذف بالشُهُب. فهذه الشُهُب تحترق في هبوطِها عبر هذا الغلاف: (وجَعَلنا السَّمآءَ سَقفًا مَحفوظًا...). [الأنبِياء ٣٢]. ونسبة الأوكسجين هي ٢١٪ مِن الهواء الذي نتَنَشّقه. وكلّما كان هنالك أوكسجين أكثر صار إحتراق الأشياء أسهل. والأوكسجين الخالص يصبح سامًّا عندما نتَنَشّقه مدّة أطول مِن اللازم، وهو مُخَفَّف بغازات أخرى، خصوصًا النيتروجين، الذي يؤلِّف ٧٨٪ مِن الغِلاف الجوّي. والبَرق يُحدِث إتِّحاد شيء مِن النيتروجين بالأوكسجين. والمُرَكَّبات الناتجة تَحمِلها الأمطار ويستعملها النبات كسَماد. ونسبة ثاني أوكسيد الكربون هي أقَلّ مِن ١٪ مِن الغِلاف الجوّي وبدونه تموت الحياة النباتيّة.

   26 كل هذه الأُمور الدقيقة هي مِن "...مُعجِزَاتِ الكَامِلِ المَعَارفِ". (أيُّوب ٣٧/ ١٦) وتعني طبعًا: "هَكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّماَوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرضِ وَمَا يُستَخرَجُ مِنهَا، مُعطِي الشَّعبِ عَلَيهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا". (إشَعياء ٤٢/ ٥). وفي القرآن الكريم نقرأ: (والسَّمآءِ ذاتِ الرَّجعِ). [الطَّارِق ١١]، (وجَعَلنا السَّمآءَ سَقفًا مَحفوظًا...). [الأنبِياء ٣٢]، (أَلَم تَرَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم ما في الأرضِ والفُلكَ تَجري في البَحرِ بِأَمرِهِ ويُمسِكُ السَّماءَ أن تَقَعَ على الأرضِ إلَّا بإذنِهِ إنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحيمٌ). [الحَجّ ٦٥]، (إنَّ اللهَ يُمسِكُ السَّماواتِ والأرضَ أن تَزُولَا...). [فاطِر ٤١]. "اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ". (لو ٢١/ ٣٣). وللأرض قوَى عجيبة للتجديد. مَثلًا: تقترن الطحالب بالفطريّات فتَتَمَكَّن مِن النُمُوّ على الصخور الجَرداء لتبدأ بتحويل الصخور الى تربة خصبة. ولا يمكن للمَواشي أن تهضمَ السلّيلوز في العشب دون مُساعدة الجراثيم التي تعيش داخلها. وأهمّ حَدَث أعجوبي في الطبيعة هو التخليق الضوئي photosynthesis الذي يشمل حوالي ٧٠ تفاعلًا كيميائِيًّا مُنفَصِلًا. لذلك دُعِيَت النباتات الخضراء مَصَانع الطبيعة - جميلة، هادئة، غير مُلَوِّثَة، تُنتِج الأوكسجين، تُعيدُ الماءَ في دَورَةٍ وتُطعِمُ العَالَم. وفي هذا المَجال، نسَبَ النبي داود الفضل الى الخالق بقوله: "مَا أَعظَمَ أَعمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكمَةٍ صَنَعتَ. مَلآنَةٌ الأَرضُ مِن غِنَاكَ". (مَزمور ١٠٤/ ٢٤). 
     
   27 وفي أهَمّ المَجالات العِلمِيّة والتِكنولوجيّة، ليس البَشَر مُختَرِعين ومُبتَكِرين، بل مُجَرَّد مّقَلِّدِين يُكَرِّرُون في كثير مِن الأحيان فقط ما يفعَله النبات والحيوان لآلٓاف السنين. وهذا التَقليد للأشياء الحَيّة شائع جدًّا بحيث أُعطي إسمه الخاص- بيونيكا Bionics. ولا تزال التِقَنيّة البَشَريّة مُتَخَلِّفة بعيدًا وراء الطبيعة. فالحياة تَتَجَلّى في أشكال وأحجام وكَمِّيات مُختَلِفَة يقف أمَامَها الخَيَال حائرًا. فهنالك مليون نوع مِن الحَشَرات. وفي الماء يَسبَح أكثر مِن ٢٠ ألف نوع مِن السمك - بعضه صغير كحَبّة الأرُزّ، وبعضه الآخَر طويل كالشاحِنَة. ويُزيِّنُ الأرض ٣٥٠ ألف نوع نباتي على الأقَلّ. ويطير أكثر مِن ٩ آلٓاف نوع مِن الطيور في السماء، مِنها النسر وهو أشَدّ الحيوانات إفتخارًا. وهناك ما يفوق المئتي مليون مِن الأجناس والأنواع.

   28 لكنّ الأعجَبَ مِن هذا التَنَوُّع المُبهِج هو التماثل الشديد الذي يربط المخلوقات بعضَها ببَعض. في هذا المَجال، قال النبي داود: "مَا أَعظَمَ أَعمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكمَةٍ صَنَعتَ. مَلآنَةٌ الأَرضُ مِن غِنَاكَ. هَذَا البَحرُ الكَبِيرُ الوَاسِعُ الأَطرَافِ. هُنَاكَ دَبَّابَاتٌ بِلَا عَدَدٍ. صِغَارُ حَيَوَانٍ مَعَ كِبَارٍ". (مَزمور ١٠٤/ ٢٤-٢٥). وفي القرآن الكريم نقرأ: (والبَحرِ المَسجُور). [الطُّور ٦] . بالإضافة الى ذلك، هنالك نحو ٥٠٠ نوع مِن الأسماك لديها بطّاريّات كهربائيّة. ويستطيع السلّور الأفريقي أن يُنتِجَ ٣٥٠ ڤولتًا. ويُحدِث الشِفنين البحري الكهربائي العملاق في المُحيط الأطلسي نبضات تبلغ ٥٠ أمبيرًا مِن ٦٠ ڤولتًا. وقِيسَت الصّدَمات مِن الحَنكليس الكهربائي الجنوبي أميركي فبَلَغَت حتى ٨٨٦ ڤولتًا يولّدها تلقائيًّا بلَمسَة واحدة. أمّا الصدمة المشتركة التي تصدر عن حَنكليسين مُكهربين فهي كافية لقتل رجل.

   29 ومِن ناحية أُخرى، يَستَعمل البَشَر الغليكول في مُبَرِّدات السيّارات كمُضاد للتَجَمُّد، ولكنّ بعضَ النباتات المجهريّة تستعمل الغليسرول المُشابه كيميائِيًّا لئلّا تتَجمّد في بحيرات القطب الجنوبي. وهنالك أسماك تُنتِج مَادّتَها الخاصّة المُضادّة للتجَمُّد. ويقول عَالِم الأحياء لويس توماس إنّ Termite كان يُبَرِّد بَيتَه قبل زمَنٍ طويل مِن التِقَنيّة العَصريّة للتبريد.

   30 وماذا الآن عن الطيَران؟ فلا تزال أجنِحة الطائرات والتِكنولوجيّا الحَديثة تقصر عن العجائب الهَندَسيّة المَوجودَة في أجنِحَة الطيور. وباستطاعة الطيور أن تقومَ بالمِلاحة بواسطة الشمس والنجوم. فلا بُدّ أنّ لها ساعات داخليّة تحفظ الوقت والمَواعيد بدِقّة. في هذا المَجال، يقول القرآن الكريم: (أَلَم تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالطَّيرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَد عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفعَلُونَ). [النُّور ٤١]. وهذا ما أكّدَه النبي إرمِيا عندما قال: "بَلِ اللَّقلَقُ فِي السَّمَاوَاتِ يَعرِفُ مِيعَادَهُ، وَاليَمَامَةُ والسُّنُونَةُ المُزَقزِقَةُ حَفِظَتَا وَقتَ مَجِيئِهِمَا...". (إرمِيا ٨/ ٧). والبوصلات المَغنَطِسيّة في رُؤوس الطيور هي مِن الوسائل التي بها تهتَدي الى سبيلِها. وفي هذا المَجال، قال النبي أيُّوب: "أَمِن فَهمِكَ يَستَقِلُّ العُقَابُ وَيَنشُرُ جَنَاحَيهِ نَحوَ الجَنُوبِ؟ أَو بِأَمرِكَ يُحَلِّقُ النَّسرُ وَيُعَلِّي وَكرَهُ؟ يَسكُنُ الصَّخرَ وَيَبِيتُ عَلَى سِنِّ الصَّخرِ وَالمَعقِلِ. مِن هُنَاكَ يَتَحَسَّسُ قُوتَهُ. تُبصِرُهُ عَينَاهُ مِن بَعِيدٍ. فِرَاخُهُ تَحسُو الدَّمَ...". (أيُّوب ٣٩/ ٢٦-٣٠). والحَمام الزاجل يستطيع العَودَة الى بيتِه بتَحَسُّسِ حقل الأرض المَغنَطيسي. بالإضافة الى أنّ الجراثيمَ تحتوي خيوطًا مِن جُسَيمات المَغنِتيت بالحَجم الصحيح تمامًا لتكون بُوصلة. وقد وُجِدَ المَغنِتيت في الكثير مِن الطيور، النحل، الفراشات، الدّلافين وغيرها.

   31 وفي مَجالٍ آخَر، تُغَطِّي التماسيح الأميركيّة بَيضَها أحيانًا بمَادّة نباتيّة مُتَعَفِّنَة لإنتاج الحرارة. وعن الإضاءة، يُنسَب إختراع المِصباح الكهربائي الى توماس إديسون. إلّا أنّ فعّاليَّتَه ليست كبيرة، إذ يُضيع طاقة في شكل حرارة. أمّا الحُباحِب فهي مُتَفوّقة إذ تومِض بأنوارها، وهي تُنتج نُورًا بارِدًا لايُضيع أيّة طاقة. والكثير مِن الإسفنج، الفطريّات، البكتيريا، والدّود يتألّق بسُطوع. وثَمّة واحدة، وتُسمّى دُودَة السِكّة الحديديّة، هي مِثل قِطار مُصَغَّر يَسيرُ بنُورِه الأمامي الأحمر و١١ زَوجًا مِن النوافِذ البيض. إنّ أسماكًا عديدةً لها أنوار تعيش في أمواج المُحِيط تُضيء وتتألَّق. وفي هذا المَجال، قال النبي سليمان: "...أَنَّ اللهَ صَنَعَ الإِنسَانَ مُستَقِيمًا، أَمَّا هُم فَطَلَبُوا اختِرَاعَاتٍ كَثِيرَةً". (جامِعة ٧/ ٢٩). وقال بُولس في رسالته إلى أهل رُومية: "لِأَنَّ أُمُورَهُ غَيرَ المَنظُورَةِ تُرَى مُنذُ خَلقِ العَالَمِ مُدرَكَةً بالمَصنُوعَاتِ...". (رُومية ١/ ٢٠).

   32 وعن الوَرَق، تَمضغ الزبابير والدبابير الخَشَب المُعَرَّض للهواء، مُنتِجَةً وَرَقًا رَماديًّا تَبني به أوكارَها. وعن المُحرِّك الدوّار، سَبَقت الجراثيم المجهريّة الإنسان بآلٓاف السنين في صُنعِه كمِروَحَة سفينة لتندَفع الى الأمام، حتى أنّها تستطيع أن تعكسَ دَورة المُحَرِّك، وتبلغ سرعات تُعادِل ٤٥ كلم في الساعة. ويَستَنتِج أحَدُ الباحثين أنّ الطبيعةَ اختَرَعَت بالفعل الدولاب وهو أهَمّ إختراع.

   33 وعن موازين الحرارة، مَهمَا طوّرَها الناس تبقى بِدائيّة بالمُقارنة مع البَعُوض الذي يحسّ بتغييار قدره ٠,٠٠٣ درجة فهرنهايت. وتستطيع مَناقير بعض الطيور وديك الأدغال الرومي أن تُحَدِّدَ درجة الحرارة في نطاق درجة واحدة فهرنهايت. إذن، في كل المَجالات العِلمِيّة والتكنولوجيّة، لم يكن البشر مُختَرِعين ومُبتَكِرين بل مُجَرّد مُقَلِّدِين للطبيعة والحيوانات والطيور والأسماك... وذلك تأكيدًا لما قاله النبي أيُّوب منذ حوالى ٣٦٠٠ سنة تقريبًا: "فَاسأَلِ البَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَتُخبِرَكَ. أَو كَلِّمِ الأَرضَ فَتُعَلِّمَكَ، وَيُحَدِّثَكَ سَمَكُ البَحرِ. مَن لَا يَعلَمُ مِن كُلِّ هَؤُلاءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَت هَذَا؟". (أيُّوب ١٢/ ٧-٩). 

   34 ومن ناحية أخرى، ما مِن مَخلوق في عالَم الأرض إلّا ويفوق الإنسان عِلمًا:
- الحوت الأزرق وزنه مائة وخمسون طنًّا، فما هو وزن الإنسان؟
- أعلم عُلماء الأرض، الذي معه أعلى شهادة في الزلازل، لا يمكن أن يتنبَّأ الزلزال قبل وقوعه ولا بثانية. أما الحمار فيتنبَّأ بالزلزال قبل وقوعه بخمس عشرة دقيقة.
- للكلب حاسة شمّ تفوق حاسّة شمَّ الإنسان بمليون ضعف.
- الصقر يرى ثمانية أضعاف ما يراه الإنسان، الصقر وهو في علياء السماء، يرى السمكة تحت الماء، وينقضّ عليها.
- هناك حيوانات تبلغ سرعتها مائة وخمسة وعشرين كيلومترًا في الساعة.
- في أعماق المياه تعيش أسماك في خليج مريانة في المحيط الهادي، وهو أعمق مكان في الأرض (12 ألف متر تحت سطح الماء). وأحدث غواصة في العالَم لا تستطيع الوصول اليوم لأكثر مِن 7000 متر تحت سطح الماء وإلّا تتحطّم مِن ضغط الماء. وهذه السمكة تمشي وتسبح في خليج مريانة بكل سهولة.
- هناك حيوانات إذا فسد أحد أسنانها نما مكانه سنٌّ جديد، أين هو طبُّ الأسنان؟
- هناك حيوان لو قطعت يده، لنمَت له يدٌ جديدة. هذا فوق طاقة كل البشر.
- هناك نوع مِن الديدان لو قسمتها قسمين ينمو برأسها ذنَب وبذنَبها رأس.
    كل هذا يعني أن ما مِن صفة مُرَكَّبَة في الإنسان إلّا وفي الحيوان ما يزيد عليها.
     
   35 بالرغم مِن ضخامة هذا الإعجاز العِلمي الرائع، يُعاني العَالَم اليوم مِن تَضَخُّم القلب وجَفاء الطبع وبلادَة التفكير وانحطام أجنِحَة الخَيَال. لذلك علينا أن نُجَدِّدَ ذهنَنا ونُحَرِّرَ عقلَنا مِن العادات والتقاليد ونُدَرِّبَ حواسَنا لتصبح نظراتنا برّاقة صافية نَقِيّة وعيوننا نَيِّرة. الناس في عصرنا اليوم تَحتَضر روحيًّا، إجتماعيًّا، سياسيًّا، تربويًّا، ثقافيًّا، أخلاقيًّا، إقتصادييًّا، وإنمائيًّا... لقد خُذِلوا مِن رُعاتِهم، زُعَمائهم، سياسيّهم، أغنيائهم، مُثَقّفِيهم، مُعَلِّمِيهم، وأولياءِ أمرِهم... هو الله وحده قادر على أن يُقيمَهم مِن وَيلاتِهم ويُخلِّصَهم منها.

   36 تخَلَّفنا ليس بسبب بُعدنا عن الدِّين، فالأمم المُلحِدة المُتقدِّمة ليس لَدَيها دِين. تخَلَّفنا لأنّنا لا نأخذ بأسباب التقدُّم والتطوُّر٬ وفشلنا بسبب فسادنا وفساد حكوماتنا، وأصبحنا رَجعِيِّين لأننا بعيدون عن العِلم والعُلوم والتعليم، وبؤس حالنا لأننا أُمّة تظنّ أن اللهَ لم يهدي إلّا سواها. فمتى سنعرف أن الدِّينَ ليس لحية ولا مسبحة ولا صرخة ولا عمامة ولا حفظ لآيات وأحاديث لا نطبّقها، ولا خرافات ولا كهنوت ولا مناطقية ولا حزبية ولا عنصرية ولا طائفية... ففي الدين الإسلامي لا فرق بين أبيض وأسود إلّا بالتقوى. وإنما فيه أن المعاملة بين الناس واجبات وحقوق، تسامح وتراحم، إحسان ورفق ومَوَدَّة، عِلم وعَمَل ومُثابرة وجدّ واجتهاد.

   37 إنّ أهمَّ العوامل التي أدّت الى ما تعاني مِنه البشريّة اليوم هو الجهل او التجاهل عن قصد، ولذلك نعيش حالات مِن الفَوضى في شَتَّى النواحي، حتى أنّه لم يسلم مِن هذه الفوضى المُتزايدة أيّ مجتمع على ساحة الكرة الأرضيّة، سواء كان مُجتَمَعًا مُتَقَدِّمًا أم مُتَخَلِّفًا، مع الفرق في نوعيّة الفوضى ومَداها، وفي أسبابها ونتائجها... والمُذهل فِعلًا أنّ المُفَكِّرين وأهلَ العِلم، وكل أصحاب الشأن، يعرفون ذلك. ولكنّهم برغم هذه المعرفة لم تكن عندهم مُحاولات جادّة وهادفة للتخلُّص مِنَ العوامل التي تُدَعِّم هذه الفوضى وتُشَيِّع التوتّر وعدَم الإستقرار في حياة الناس. عندما نعرف ذلك، سيحدث حينها التغيير وسترتفع مكانتنا بين أنفسنا وبين الشعوب.

    إذا نزل مُؤمن وكافر إلى البحر فلا ينجو إلَّا مَن تعلّم السباحة.

                  د. انطوان جعجع
               (عِلم النفس العيادي)
     antoinjaajaa@gmail.com

Comments

Popular posts from this blog