📖 الفصل الثاني: الحب والزواج الحقيقي


تمهيد


الحبّ هو أعظم أسرار الوجود، والإنسان لا يكتمل إلا به. إنه ليس مجرّد عاطفة عابرة أو انجذاب جسدي، بل هو لغة الروح، ونداء القلب، وعهد أبدي يتجاوز الزمن. والزواج الحقيقي هو الميثاق الذي يجعل من الحبّ واقعًا حيًا، ومساحة ينمو فيها الكيان الإنساني ليقترب أكثر من معنى الله.


الحب: نداء الروح


الحبّ الحقيقي لا يُطلب ولا يُشترى، بل يُكتشف. إنه تعرّف الروح على نفسها في الآخر. عندما يلتقي عاشقان بحق، تشعر الروح أنها وجدت نصفها المفقود، فيغدو الآخر مرآة للنور الداخلي.


قال المسيح: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم" (يوحنا 15:12).


وقال النبي ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه".



هنا يلتقي العهدان: المسيحية والإسلام، على أنّ الحبّ أساس الإيمان، وروح الدين، ومفتاح الخلاص.


الزواج: ميثاق مقدّس


في كل الأديان، الزواج ليس عقدًا اجتماعيًا فحسب، بل ميثاق مقدّس:


في التوراة والإنجيل: "ويصيران جسدًا واحدًا" (تكوين 2:24).


في القرآن: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً" (الروم: 21).



فالزواج الحقيقي هو سكن ومودّة ورحمة، أي لقاء بين روحين وجسدين، في وحدة لا يفرّقها إلا الموت، وربما لا يفرّقها حتى الموت.


الحب بين الجسد والروح


الحبّ الحقيقي يوازن بين البُعدين:


الجسد: يترجم الحبّ إلى دفء وحنان ولقاء ملموس.


الروح: تمنح العلاقة بُعدها الأبدي العابر للموت.



عندما ينفصل الحبّ عن الروح، يصبح مجرد رغبة عابرة. وعندما ينفصل عن الجسد، يصبح فكرة مجرّدة. أما حين يجتمعان، يولد الزواج الحقيقي: لقاء إنساني مقدّس.


فلسفة الحب


أفلاطون في محاورة المأدبة قال إن الحبّ هو توق الروح إلى الكمال، وعودة النصف إلى نصفه الآخر.


جبران خليل جبران وصف الزواج في النبي: "كونوا معًا، ولكن لا تجعلوا من الألفة رباطًا… لأن أعمدة الهيكل تقوم متباعدة، وسروة البلوط والسرو لا تنموان في ظلّ بعضهما".



أي أن الحبّ لا يعني ذوبان الفرد في الآخر، بل تلاقيهما في الحرية، حيث يحترم كل طرف فردانية الآخر بينما يتوحّدان في الروح.


التجربة الإنسانية


لقد عشت حياتي –حتى اللحظة– دون زواج، باحثًا عن الحبّ الحقيقي الذي يتجاوز المصالح والشهوات. لم يكن العزوف رفضًا للحياة، بل انتظارًا للقاء الذي يجعل للحياة معنى. فالحبّ الذي أؤمن به لا يُقاس بالزمن، بل بالصدق، ولا يُبنى على الحاجة، بل على المشاركة في رحلة الأبد.


الحب الكوني


الزواج الحقيقي لا يقتصر على رجل وامرأة، بل هو رمز لعلاقة أعمق: علاقة الإنسان بالوجود، والروح بالله. كل حبّ صادق هو مرآة للحبّ الإلهي. وعندما يتّحد عاشقان بحق، فإن اتحادهما يصبح آية من آيات الله على الأرض.


الخاتمة


الحبّ الحقيقي هو بداية كل شيء، والزواج الحقيقي هو اكتمال هذه البداية. إنهما معًا الطريق إلى الخلود، والمكان الذي يختبر فيه الإنسان معنى الرحمة، ويدرك سرّ الروح، ويلامس وجه الله.

Comments

Popular posts from this blog